ابن أبي الحديد

238

شرح نهج البلاغة

أو ثمان وعرف فضل ما بين الأنبياء والكهنة ، وفرق ما بين الرسل والسحرة ، وفرق ما بين خبر النبي والمنجم ، وحتى عرف كيد الأريب ( 1 ) ، وموضع الحجة ، و ( 2 وبعد غور المتنبي 2 ) ، كيف يلبس على العقلاء ، وتستمال عقول الدهماء ، وعرف الممكن في الطبع من الممتنع ، ما يحدث بالاتفاق مما يحدث بالأسباب ، وعرف قدر القوى وغاية الحيلة ومنتهى التمويه والخديعة ، وما لا يحتمل أن يحدثه الا الخالق سبحانه ، وما يجوز على الله في حكمته مما لا يجوز ، وكيف التحفظ من الهوى والاحتراس من الخداع ، لكان كونه على هذه الحال وهذه مع فرط الصبا والحداثة وقلة التجارب والممارسة خروجا من العادة . ومن المعروف مما عليه تركيب هذه الخلقة ، وليس يصل أحد إلى معرفه نبي وكذب متنبئ ، حتى يجتمع فيه هذه المعارف التي ذكرناها ، والأسباب التي وصفناها وفصلناها ، ولو كان علي عليه السلام على هذه الصفة ومعه هذه الخاصية لكان حجة على العامة ، وآية تدل على النبوة ، ولم يكن الله عز وجل ليخصه بمثل هذه الأعجوبة الا وهو يريد أن يحتج بها ، ويجعلها قاطعة لعذر الشاهد وحجة على الغائب . ولولا إن الله أخبر عن يحيى بن زكريا انه اتاه الحكم صبيا ، وانه أنطق عيسى في المهد ما كانا في الحكم [ ولا في المغيب ] ، ( 3 ) الا كسائر الرسل ، وما عليه جميع البشر . فإذا لم ينطق لعلى عليه السلام بذلك قرآن ، ولا جاء الخبر به مجئ الحجة القاطعة والمشاهدة القائمة ، فالمعلوم عندنا في الحكم أن طباعه كطباع عميه حمزة والعباس ، وهما أمس بمعدن جماع الخير منه ، أو كطباع جعفر وعقيل من رجال قومه ، وسادة رهطه . ولو أن انسانا ادعى مثل ذلك لأخيه جعفر أو لعميه حمزة والعباس ، ما كان عندنا في امره الا مثل ما عندنا فيه ( 4 ) . أجاب شيخنا أبو جعفر رحمه الله فقال هذا كله مبنى على أنه أسلم وهو ابن سبع أو ثمان ، ونحن قد بينا انه أسلم بالغا ابن خمس عشره سنه أو ابن أربع عشره سنة ، على

--> ( 1 ) العثمانية : ( المريب ) . ( 2 - 2 ) في الأصول : ( وفقد التمييز ) ، وأثبت ما في العثمانية . ( 3 ) من العثمانية . ( 4 ) العثمانية 6 - 8 .